الشيخ محمد رشيد رضا

229

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

آيات الكتاب فيحتجون بها على جهلهم ، فيذكرون ان اللّه كان يرزق مريم عليها السّلام بغير حساب ، وما كان رزقها من فعلها ، ولا يدري أحد كيف سخره اللّه لها ، وروي أنه كان بتسخير بعض الناس - لها ، ووحيه إلى أم موسى وما هو من فعلها . وقد قيل بنبوتها وان إفساد هؤلاء الخرافيين للبشر في دينهم ودنياهم لا شد من إفساد المنكرين للآيات المكذبين بها ، بأنهم أكبر أسباب هذا الانكار والتكذيب بزعمهم أن الأنبياء ومن دونهم من الصالحين يتصرفون في الخلق بما يخالف سنن اللّه تعالى فيه أو يبدلها بغيرها ويحولها عما وضعت له ، وزعمهم أن اللّه هو الذي دعا الناس إلى هذا الاعتقاد وجعله أساس دينه ، فكذبوا بالدين من أساسه ، فتكون فتنتهم شاملة لفريقي الكفار بالآيات - فريق المكذبين وفريق المشركين ، وهو مع هذا قول على اللّه بغير علم ، وافتراء على اللّه بكونه شرعا لم يأذن به اللّه ، وهو أشد أنواع الكفر باللّه ، لان ضرره متعد بما فيه من إضلال الناس باعتقاد باطل يتبعه عبادة باطلة غير مشروعة « 1 » علاج خرافة تصرف الأولياء في الكون أما الذين يشركون باللّه في عبادته بجهلهم لآياته وتقليد أمثالهم من الجاهلين في خرافاتهم ، فلا علاج لهم إلا تعليمهم توحيد اللّه الخالص في ربوبيته وألوهيته بآيات القرآن ، دون نظريات كتب الكلام ، وتعليمهم وظائف الرسل وكونهم بشرا اختصهم اللّه تعالى بوحيه لتبليغ عباده ما ارتضاه لهم من الدين بالقول والعمل ، وحصر اختصاصهم بالتعليم والارشاد تبشيرا وانذارا ، وتنفيذ أحكام شرعه فيهم بالعدل والمساواة ، ولم يؤتهم من التصرف الفعلي في خلقه ما يقدرون به على هداية أقرب الناس وأحبهم إليهم بالطبع كالوالد والولد والزوجة ومن دونهم من أولي القربى ، فوالد إبراهيم الخليل عاش كافرا ومات كافرا عدوا للّه ورسوله وخليله ، وولد نوح أول الرسل إلى الأمم مات كافرا ولم يأذن اللّه تعالى له بحمله في السفينة فكان من الكافرين المغرقين ، وكان أبو لهب عم محمد حبيب اللّه ورسوله أشد أعدائه الصادين عنه المؤذين له ، وأنزل اللّه في ذمه ووعيده سورة من القرآن يتعبد بها

--> ( 1 ) راجع تحقيق هذا المعنى في ص 397 - 401 ج 9 من التفسير